أصبح المجتمع والشعور بالانتماء أكثر أهمية من أي وقت مضى. فبالنسبة إلى العديد من الغواصين، المحيط ليس مجرد مكان للاستكشاف، بل هو أيضًا مساحة للتواصل مع الآخرين.

سواء كان ذلك مع العائلة، أو الأصدقاء، أو أشخاص يشاركونهم حب العالم تحت الماء، يمكن أن يكون لهذه الروابط تأثير كبير، بل ومغير للحياة. فهي تساعد على بناء الثقة وإيجاد هدف وتعزيز الشعور بالانتماء سواء داخل الماء وخارجه. وبالنسبة إلى الغواصين من خلفيات متنوعة، قد يحمل هذا الشعور بالترابط أهمية أكبر. فمن خلال الغوص، يجد كثيرون ليس مجرد شغف، بل مجتمعًا يشعرون فيه بأنهم موضع تقدير ويحظون بالدعم ويتمكنون من التعبير عن أنفسهم بحرية.

تحدثنا إلى عدد من الغواصين من مختلف أنحاء مجتمع PADI، الذين يلهمون الآخرين لخوض تجربة الغوص من خلال توفير الفرص وإزالة الحواجز وإثبات أن الإمكانات لا حدود لها.


غواص فقد ساقيه يطفو بسلاسة أثناء ممارسته لغوص السكوبا.
تستمتع نيتشاري بينيكشاناساك، وهي غواصة من تايلاند مبتورة الطرفين، بالحرية التي يمنحها لها وجودها تحت الماء.

القيادة بروح إيجابية

عندما كانت نيتشاري بينيكشاناساك في الرابعة عشرة من عمرها، فقدت ساقيها في حادث. ومع ذلك، لم يمنعها ذلك من أن تعيش حياة حافلة بالنشاط والإيجابية، وأن تصبح مصدر إلهام وقوة دافعة للتغيير في مجتمعها. وتقول بينيكشاناساك لنا: يعرفني الشعب التايلاندي باسم “ثون” – الفتاة ذات التفكير الإيجابي.

كان تعلم الغوص حلمها، وقد حققته في عام 2016 أثناء دراستها للحصول على درجة البكالوريوس. وتقول: “عندما جربت غوص السكوبا للمرة الأولى، شعرت بأن جسدي لم يكن عائقًا أمام حياتي تحت الماء. كان بإمكاني السباحة والاستمتاع بجمال في أي مكان، دون كرسي متحرك أو ساقين اصطناعيتين. وقد ألهمني ذلك… [و]علمني… أن كل شيء ممكن إذا آمنت بنفسك.

وهي الآن تستكشف المحيط بصفتها كغواص مياه مفتوحة متقدم PADI Advanced Open Water Diver كما تعمل، فوق سطح الماء، كمتحدثة ومحاضرة تحفيزية، حيث تلهم الأشخاص ذوي الهمم في بلدها تايلاند وتشجعهم على عيش حياة إيجابية.

ساعدها كونها غواصة PADI على اكتشاف جمال الطبيعة من منظور جديد، وعلى إيمانها بقدراتها. وهذه هي الدروس واللحظات المليئة بالفرح التي تحرص على مشاركتها مع مجتمعها.


بناء مجتمع انطلاقًا من الشغف

تقف غواصة مسلمة على الشاطئ، وهي تحمل قناعها وزعانفها.
أسست جيسي فايا فراليندا، وهي غواصة مسلمة في إندونيسيا، نادي الغوص الخاص بها.

وُلدت جيسي فايا فراليندا في بالي، وهي جزيرة تحيط بها الشواطئ والمياه. ومنذ طفولتها، كانت تستكشف الشاطئ، وفي عام 2012، ألقت أول نظرة لها تحت الماء. وتقول: “عندما غصت في أعماق المحيط الأزرق، أبهرتني المشاهد الجديدة التي لم أر مثلها من قبل. ووعدت نفسي بأنني [سأصبح] غواصة معتمدة يومًا ما”.

بعد مرور نحو سبع سنوات، انتقلت إلى لومبوك للعمل في قطاع الطيران. وحصلت على شهادة غواص المياه المفتوحة PADI Open Water Diver، وأصبحت تعرف بلقب “عروس البحر الطائرة”. ومع تزايد شغفها بهذه الرياضة، أسست مجتمعاً محلياً للغوص أطلقت عليه اسم “نادي غوص مطار لومبوك” (LADC)، وهو ناد يشجع موظفي مطار لومبوك على تجربة غوص السكوبا. وأضافت قائلة: “بكل فخر، يمكنني القول إنLADC  خرج ما يقرب من 50 غواصاً جديداً معتمداً في غضون عام واحد فقط. وفي وقت وجيز، ارتقينا بالنادي إلى مستوى جديد… من خلال… المشاركة في أنشطة الغوص ضد النفايات Dive Against Debris®، وتنظيف الشواطئ، وتنفيذ بعض المشاريع في حديقة الشعاب المرجانية،” وغيرها الكثير.

علاوة على ذلك، فهي تحشد من حولها للمشاركة في رياضتها المفضلة من خلال أدوار أخرى أيضاً، فهي عضو في مجتمع الغواصين الإندونيسيين (وهي مجموعة مجتمعية تحظى بحماية حكومية) وكواحدة من أوائل سفيرات Girls That Scuba في إندونيسيا. وهي تطمح أن تصبح غواصة إنقاذ PADI Rescue Diver، وأن تلهم المزيد من النساء لتجربة غوص السكوبا .


التواصل من خلال الحوار

ستيفني تنظر إلى الكاميرا
ستيفاني زورنوزا، غواصة صماء حاصلة على شهادة «PADI Advanced Open Water Diver» من الولايات المتحدة،
، تشير إلى كلمة «ماء» بلغة الإشارة الأمريكية تحت الماء. الصورة بإذن من Aqua Hands
.

تدرك ستيفاني زورونزا أهمية التواصل وبناء الروابط. لذا أسست متجر The ASL Shop لمساعدة الآخرين على تعلم لغة الإشارة الأمريكية (ASL). وبصفتها غواصة صماء تحمل شهادة غواص المياه المفتوحة المتقدم PADI Advanced Open Water Diver، فإنها تجد في القدرة على التواصل مع الغواصين والمدربين الآخرين تحت الماء تجربة تمنحها “شعوراً كبيراً بالحرية” و”متعة فائقة”. وبعد أن تخلصت من حواجز التواصل التي تواجهها أحيانًا فوق سطح الماء، تقول زورونزا: “لا شيء يضاهي روعة وإثارة القدرة على تبادل الأحاديث تحت الماء!”.

كما تدرك زورونزا أن ممارسة الغوص تعد وسيلة مذهلة للتواصل مع الطبيعة. فهي تشعر دائماً بالدهشة إزاء الجمال المحيط بها وبالتفاصيل الدقيقة التي يسهل تفويتها على اليابسة — مثل تراقص الضوء على الشعاب المرجانية أو حركة الأسماك في الماء. وتقول في: “إنه لأمر مدهش حقاً كم نغفل تقدير الكثير من الأشياء ونعتبرها أموراً مسلمًا بها عندما نعيش على اليابسة”.

يدفعها شغفها بالغوص إلى تعريف الناس بعالم ما تحت الماء والدعوة إلى حمايته. وتقول موضحة: “من الصعب ألا تشعر بالإلهام عندما تمارس السباحة بالقصبة حول الشعاب المرجانية أو تستكشف حطام السفن، لكن من السهل أن تنسى هذه الأماكن بمجرد العودة إلى المنزل واستئناف روتينك اليومي. لذا، يتمثل هدفي دائمًا في مشاركة تجربتي مع الآخرين وتشجيعهم على استكشاف المناطق المحيطة بهم”.


إلهام الشباب

غواص من قبيلة الماساي يسير على طول الشاطئ حاملاً زعانفه في يده
فرانك موليل، Master Scuba Diver Trainer، هو أول غواص من قبيلة الماساي. الصورة بإذن من Divepoint Zanzibar/بيلي كينيس

يكرس فرانك ديفيد موليل حياته لحماية محيطاتنا. وبصفته مدرب كبير غوص سكوبا PADI Master Scuba Diver Trainer، و PADI AmbassaDiver من زنجبار، وأحد مؤسسي Linda Bahari Pamoja  (“نحمي المحيط معًا”)، فإنه يقضي وقتًا طويلًا في الماء. ومع ذلك، فقد نشأ في منطقة داخلية قريبة من الجبال، بل إنه لم ير المحيط أو يلمس مياهه قط حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره.

ويقول: “بصفتي من قبيلة الماساي، (وهي قبيلة تتواجد في شمال تنزانيا)، فإن الماء ليس جزءًا من بيئتنا المعتادة، فنحن ننشأ ونحن نعرف أننا لسنا مهيئين للمياه، ولا نجرؤ على دخول المحيط. لذلك، يمكنني القول إنني أول فرد من قبيلة الماساي يجرؤ على تجربة الغوص”.

وبفضله، فمن المرجح ألا يكون الأخير. فمبادرة ليندا باهاري باموجا هي برنامج مجتمعي يركز على ترميم الشعاب المرجانية وتوعية الشباب بأهمية النظم البيئية البحرية.

ويخبرنا موليل أن برامج وحملات من هذا النوع تساعد على تسليط الضوء على الطبيعة التي يحبها الناس. ويضيف: “يتيح لي العمل مع المجتمع التواصل مع الجمهور المناسب، وتعريفهم بجمال عالمنا تحت الماء، وشرح سبب حاجتنا إلى حمايته، وزيادة الوعي بأهميته”.


جوليا أفيلين رابينجورو تغوص بين الشعاب المرجانية
أطلقت جوليا أفيلين رابينجورو، وهي غواصة شابة من بورنيو، مشروعًا لتنظيف الشعاب المرجانية يقوده الشباب.

تشكيل الجيل القادم

التقطت جوليا أفيلين رابنجورو أنفاسها الأولى تحت الماء في عيد ميلادها الثامن، وذلك خلال دورة صانع الفقاعات PADI Bubblemaker® التي كان لها دور في تشكيل مسيرة العقد التالي من حياتها. ونظراً لنشأتها في وسط عائلة من الغواصين في ماليزيا، كانت تتوق لاستكشاف عالم ما تحت الماء بنفسها. وسرعان ما تدرجت في دورات PADI لليافعين، وفي سن 18 عامًا، أصبحت مرشدة غوص PADI Divemaster.

بعد أن شاركت رحلتها في الغوص عبر الإنترنت لإلهام الشباب الآخرين، تقدمت أفيلين رابينجورو بطلب لتصبح PADI AmbassaDiver وتم اختيارها. وقالت: “أعجبتني الطريقة التي صوروا بها الغوص كبوابة ليصبح المرء مدافعاً عن المحيطات”، فأنا أؤمن بشدة بالمقولة التي تقول أن الناس يحمون ما يحبونه”.

وبعد أن استلهمت أفكارها من عمليات تنظيف الشعاب المرجانية وإزالة الشباك، أسست أفيلين رابينجورو مشروع Bubbles of Hope، وهو مشروع الذي ينظم حملات تنظيف الشعاب المرجانية بالتعاون مع مراكز الغوص المحلية. وأوضحت قائلة: “عندما لاحظت تزايد أعداد زملائي في الدراسة الذين بدأوا ممارسة الغوص، قررت تشكيل مجموعة من الشباب الذين يشاطرونني نفس الرؤية ويرغبون في إحداث تغيير إيجابي. لم يكن هدفي مقتصراً على كمية النفايات التي نتمكن من إزالتها، بل تمكين أعضائنا وإثبات أنهم – بغض النظر عن أعمارهم – قادرون أيضاً على إحداث تغيير ملموس”.

في عام 2024، انضمت إلى برنامج سفراء المحيط الشباب Young Ocean Ambassador Program التابع لمنظمة Manta Trust، حيث تواصلت مع شباب من مختلف أنحاء العالم ممن يكرّسون جهودهم لحماية المحيطات. ومن خلال هذه العلاقات، وسعت نطاق مبادرة Bubbles of Hope ليصل إلى المستوى الدولي، وساهمت في تأسيس المشروع في ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة.

“جمال المحيط هو أكبر دافع لي”، قالت متأملة. “أريد أن يقع الناس في حبه كما وقعتُ أنا.”


مايك وينكلز PADI AmbassaDiver يجلس على متن قارب
مايك وينكلز، مدير الدورات PADI Course Director من الولايات المتحدة، يُلهم الجيل القادم من محترفي الغوص.

بناء المجتمع من خلال الحفاظ على البيئة

منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، عندما حصل على شهادة غواص المياه المفتوحة اليافع PADI Junior Open Water Diver، شكلت ينابيع المياه العذبة في فلوريدا جزءًا أساسيًا من حياة مايك وينكلز. وما بدأ كمجرد وسيلة لقضاء الوقت في ممارسة الغوص بصحبة والده سبباً في رسم ملامح مستقبله. ويقول: “أدركت أنني أريد مشاركة حبي للغوص مع الآخرين، بالطريقة نفسها التي شاركني بها والدي هذا الشغف.”

واليوم، وبصفته مدير دورات PADI Course Director ولديه خبرة تزيد عن 20 عاماً في قطاع الغوص، يعمل على تدريب الجيل القادم من الغواصين. ومن خلال مساعدة الآخرين ليصبحوا قادة واثقين وقادرين على تحمل المسؤولية، فإنه يواصل المسيرة ذاتها التي ألهمته في بداياته. إذ يقول: “إن القدرة على تعريف الناس بعالم جديد كلياً يقع تحت سطح الماء تجعلني أشعر بسعادة غامرة!”.

ربما تتجلى علاقته بعالم ما تحت الماء بوضوح أكبر من خلال تجاربه مع خراف البحر في ينابيع فلوريدا وعلى الرغم من آلاف اللقاءات التي جمعته بها، لا يزال وينكلز يتذكر لقاءه الأول، إذ يقول: “إنه شعور رسخ في وجداني بعمق لدرجة أنني الآن، وفي كل مرة أكون فيها داخل الماء بصحبة خراف البحر، أستطيع أن أعود بذاكرتي إلى تلك التجربة الأولى.”

ومن خلال عمله مع البرنامج الفيدرالي لحماية خراف البحر، ساعد آلاف الأشخاص على خوض هذه التجربة المليئة بالدهشة، والتعرف في الوقت نفسه على أهمية حماية هذه الموائل الفريدة. بدءًا من مجموعات المدارس المحلية وصولاً إلى الطلاب الدوليين، غالبًا ما تترك تلك التجارب المائية انطباعًا لا ينسى. ويقول: “قد يكون مشاهدة فيديو عبر الإنترنت أمرًا رائعًا، لكن عندما يسبح خروف بحر يبلغ طوله 10 أقدام، أي نحو ثلاثة أمتار، باتجاهك، فهو أمر يخطف الأنفاس من شدة الدهشة.”

بالنسبة إلى وينكلز، تبدأ التغييرات الحقيقية في المجتمع من لحظات التواصل هذه. ويقول: “أنا أؤمن حقًا بأن مفتاح حماية أي شيء يكمن في المعرفة والتثقيف.”


تعمل سارة غوجر، من الإمارات العربية المتحدة، على بناء روح التضامن المجتمعي من خلال غوص السكوبا والحفاظ على البيئة في المحيطات.
تعمل سارة جوجر، الغواصة من الإمارات العربية المتحدة، على بناء روح الترابط المجتمعي من خلال غوص السكوبا والحفاظ على البيئة.

تغيير المفاهيم

هناك عدد قليل من الحيوانات التي تتعرض للاضطهاد بصورة غير عادلة أكثر من أسماك القرش. وبالنسبة إلى سارة غوجر، المقيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة والتي تصف نفسها بأنها مهووسة بأسماك القرش، أصبح تغيير نظرة الناس إلى هذه الحيوانات التي أسيء فهمها هدفًا شخصيًا لها.

لطالما استمتعت غوجر بممارسة غوص السكوبا، لكن رحلة واحدة غيرت كل شيء. وتوضح قائلة: “لقد زرت مصر ووقعت كليًا في حب عالم ما تحت الماء. وقد دفعتها هذه التجربة إلى تحويل هوايتها إلى مسيرة مهنية. وبعد أن أصبحت مدربة كبير غوص سكوبا PADI Master Scuba Diver Trainer، عملت في وجهات متعددة، من بينها جزر المالديف وتايلاند.

وإلى جانب التدريس، شاركت غوجر في تأسيس Reggae Shark Dive Club في دبي، الذي يضم اليوم مجتمعاً يجاوز 200 غواص شغوف. وتضيف قائلة: “نحن ننظم الدورات ورحلات الغوص حول العالم، وقد استكشفنا حتى الآن بعضًا من أفضل وجهات الغوص”. وبدلاً من التركيز على السفر الفاخر، يضع النادي التجارب الهادفة والروابط الثقافية على رأس أولوياته. وتوضح: “فلسفتنا بسيطة: الغوص واستكشاف الثقافة المحلية.”

تتمحور معظم أعمال غوجر اليوم حول التوعية بشأن أسماك القرش والدعوة إلى حمايتها. حيث تقول: “أنا متخصصة في تعليم الغواصين عن أسماك القرش وكيفية التفاعل معها بأمان ومسؤولية”. ومن خلال عملها، تسعى إلى تحدى الصور النمطية القائمة على الخوف وتشجيع الناس على تقدير أسماك القرش. كما شاركت مؤخراً في فعالية تنظيف تحت الماء حطمت رقمًا قياسيًا في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.

وعندما لا تكون تحت الماء، من المرجح أن تجد سارة جي خلف منصة منسق الأغاني (DJ) في الفعاليات وهو مجال ترى أنه يشترك مع الغوص في قواسم مشتركة تفوق توقعات الكثيرين. وتقول: ” في جوهرهما، يتمحور كل من الغوص وعمل الـ (DJ) حول أمر واحد: مساعدة الناس على الانفصال عن ضغوط الحياة اليومية، والعيش في اللحظة الراهنة، والاستمتاع بأوقاتهم.”


المزيد عن التنوع والمجتمع والغوص

شارك هذا